السبت، 4 أبريل 2009

تنحية الإمام



في بداية الستينات من القرن الماضي تزين المسجد الوحيد في القرية الفقيرة النائية لرمضان خير زينة، فرممت الجدران الطينية بطين جديد، وفرش المشمع العريض فوق السقف الذي يتكون من البوص، وعلق كلوب كبير بداخل المسجد، وفانوس جميل بخارجه، وعلقت الزينات، وأقيمت خيمة واسعة أمام باب المسجد ليتسع للمصلين، وكانت مسقوفة بقماش أحمر سميك كتبت عليه آيات قرآنية رقيقة. وقدمت المحافظة لهم ميكروفوناً جديداً. واستعدت دور المناسبات في كل عائلة لتستقبل المبتهل الذي سيقيم لهم حفلات المساء حيث يجتمعون حوله في الغرفة الواسعة التي احتلت ثلاثة من جوانبها أرائك واسعة صنعت من الطوب اللبن، ووضعت بضع قطع من الاشولة والكليم عليها لتصبح مناسبة للجلوس، فيجتمع رجال العائلة وشبابها فيها والمبتهل بينهم يملأ المكان بابتهالات جميلة ويكررها ويحبرها لهم فيطلقون صيحات الاستحسان من حين لآخر، ويستمر الأمر لساعة قبل أن يرحل الشيخ أو يبقى ليتبادل أحاديث السمر الإجتماعية أو السياسية أحياناً مع رجال العائلة. ثم يخرج فوج من كل عائلة ليزور دار مناسبات عائلة أخرى يتبادلون معهم بعض أحاديث السمر، ثم يعودون ليبدأون في تناول وجبة السحور ثم يخرجون لصلاة الفجر أو ينامون قبيل الفجر لأنهم سيستيقطون باكراً بعد الشروق بلحظات ليسرحون بغنائمهم أو يؤدون مهامهم الرئيسية في حقولهم، حتى ينتصف النهار فينامون ويستيقظون قبيل المغرب ليستعدون للفطر. ثم يتوجهون إلى صلاة العشاء والتراويح التي يجعلها إمام المسجد الشيخ عبد الكريم خفيفة لا تستغرق سوى نصف ساعة، ومن ثم يعودون لدور المناسبات وتعود الكرة من جديد.

ثم جاء الخبر الغريب وهو أن المحافظة قد عينت لهم إماماً جديداً للمسجد، وثار الشيخ عبد الكريم على فقده لعرشه، وظل يشكو في دار المناسبات في كل عائلة، وجعل صورة الإمام الجديد قبيحة في أعينهم. وقد استقبله يوم وصوله بفتور كبير وأسلمه مفاتيح المسجد، ففوجيء بالوجه المكفهر للإمام الجديد. وهدأ الشيخ عبد الكريم نوعاً لما علم أنه سيكون إمام أحد مساجد المدينة، فعاد لزيارة كل عائلة ليخبرهم بالخبر السعيد متفاخراً في كل لحظة بروعة صوته التي جعلت المحافظة تنتبه له وتعينه إماماً لأحد أكبر مساجد المدينة.

وبدأ رمضان وبدأ معه أهل القرية يستعدون لطقوسهم المعتادة في هذا الشهر الكريم، وفي صلاة التراويح صلى بهم الإمام، وكان صوته عادياً ليس بالقبيح أو الجميل وعلى وتيرة واحدة لا تتغير، وفوجيء المصلون بالإمام يطيل ويطيل في الصلاة، واستغرق ما يزيد على ثلاثة ساعات، حتى أن بعض المصلين قد انصرفوا في بعد أول ركعتين. وقد قام له الحاج عبد الخالق بعد الركعة الرابعة ليقول له

" براحة علينا يا عم الشيخ .. واحدة واحدة"

وانطلقت الأصوات المؤيدة فاكتفى الشيخ بنظرة متعالية وبتكشيرة قاسية ثم أكمل صلاته بنفس الوتيرة، فانصرف الحاج عبد الخالق وبعض أنصاره وهو يتمتم بعبارت غاضبة.

وانتشر الخبر في القرية كالنار في الهشيم، خصوصاً بعد أن تعطلت حفلات المساء التي تقام في دور المناسبات كل ليلة، وثار المبتهلون وغضبوا لمساهمة إمام المسجد في منع حصولهم على أجرهم من الابتهالات ، وقد كانوا يحصلون على جنيهين أو ثلاثة بعد عملهم طوال الشهر. فقاموا بتأجيج نار الغضب في نفوس الناس الغاضبة أصلاً.

وفي اليوم الثاني تكرر الأمر، فاجتمع جمع غفير في دوار العمدة لمناقشة أمر ذلك الزائر الغريب الذي يريد أن يعكر عليهم صفو رمضانهم. وقد خرجت أصوات تدعو لإرسال شكوى إلى المحافظة، فقال العمدة بلهجته ولهجة الفلاحين ابناء قريته

" يا خوانا مينفعش نشكي دلوقتي .. البلد في حالة صعبة ومحدش فاضي للكلام ده، وإحنا كدة بنعطلهم عن الحرب مع اليهود الكفرة"

والحق أنه كان يخشى أن يعترض على أمر من المحافظة فيهتز مقعده. واقتنعوا بكلامه فقال الحاج عبد العال

" العمدة بيتكلم صح يا خونا .. وأنا شايف إننا نكمل معاه لغاية ما الشهر يخلص .. وأهي علقة تفوت ولا حد يموت.. وبعدين يا جماعة ماهو كله ثواب ..ربنا حيجازينا على الصبر والصلاة "

فاعترض أحد الشباب وقال

"بس إحنا مانسكتش على الكلام ده يا حاج عبد العال ..ماهو ميكونش واحد غريب ولغوته غير لغوتنا وفهمه غير فهمنا وييجي يفرض علينا اللي هو عايزه"

وقال الحاج جمعة

"صح يا حامد .. وبعدين عيب يا خوانا لما كبارات البلد يكلموه وميديهمش وش"

فقال الحاج عبد الخالق

"طب والله العظيم أنا كل ليلة أكلمه وأقوله ميصحش يا عم الشيخ ..لكن مايردش عليا"

فقال العمدة محاولا تسوية الأمر

"خلاص ياخوانا .. إنتو تيجوا عندي هنا في الدوار .. ونصلى مع نفسنا ونسيبنا منه الشيخ ده"

فتساءل شاب

"وده يجوز يا عمدة"

"إيوة يجوز"

فسرت همهمة بين الجمع قبل أن يقول الشيخ عبد العال في خبث

" ومين اللي حيصلي بينا بقى يا عمدة"

فقال العمدة

"اي حد من المبتهلين .. الشيخ سعيد أو الشيخ ابراهيم أو الشيخ حافظ"

فألقى الحاج عبد العال نظرة سفلية خاطفة على المبتهلين الذين ارتبكت وجوههم ثم ابتسم بمكر وقال

" دول حافظين قل هو الله أحد بالعافية"

سرت همهمة ساخرة بين الناس وازداد ارتباك المبتهلين، فقال العمدة

"لا صحيح؟ .. يعني مش شيوخ ولا حاجة"

فضحك الناس وغضب المبتهلون وقال الشيخ ابراهيم

" ميصحش كدة يا عمدة ..إحنا متخصصين في الابتهالات"

" لا يا شيخ؟ متخصصين"

فتدخل الحاج جمعة قائلاً

" يا خوانا عيب الكلام ده .. دلوقتي مفيش حد يعرف ويفهم في القرآن غير الإمام الجديد، وبعدين الشيخ عبد الكريم بقى إمام مسجد في المدينة، يعني مينفعش يرجع، يبقى خلاص لازم نصلى وراه "

فقال الحاج عبد العال

" أنا قلت كده من الأول"

سرت همهة مستنكرة قبل أن يقول الحاج عبد الخالق

" لا .. ده راجل قليل الأدب .. أنا مش حاصلى التراويح السنة دي .. أنا حافظ المعوذتين وحاصلى بيهم الفروض"

وانصرف الجمع مختلفين فيما بينهم . فمنهم من قرر عدم الصلاة كالحاج عبد الخالق وبعض أفراد عائلته، ومنهم من قرر صلاة ركعتين أو أربع في المسجد، ومن الشباب من قرر أن يستمر وراءه حتى آخر ركعة. فكان الإمام يختم صلاة العشاء فينصرف معظم الناس ولا يبقى إلا القليل الذين ينصرفون كلما تقدم الإمام أكثر في الصلاة.

واجتمع أهل القرية ثانية عند دوار العمدة، وقرروا أن يذهبوا أفواجاً إلى الإمام الجديد، وكان العمدة لا يصلى أساساً فلم يكن الأمر يهمه، ولكنه اضطر رغماً عنه إلى الذهاب معهم قبل صلاة المغرب بساعة إلى بيت الإمام، ولكنهم فوجئوا ببابه موصداً بقفل سميك، وانتشر الخبر بأنه قد رحل، ولم يصل بعدها بهم المغرب، فبدأت النفوس ترتاح على حيرة منها، ولكنهم فوجئوا به في صلاة العشاء يقتحم المسجد في هيبته وصمته، ويصل بهم، فقال الحاج جمعة

"حمدلله على السلامة يا شيخ"

ولم يعره الشيخ اهتماماً ولم يرد على عبارته وبدأ الصلاة.

وكانوا كلما ذهبوا إليه في داره لم يجدوه، ولكنه كان موجوداً دوماً في المسجد عند صلاة العشاء والتراويح.

وساد الوجوم القرية وأصبح الإمام الجديد حديثها، وانتشرت إشاعة بأنه جني، وأخرى بأنه عميل لصالح اسرائيل يهدف إلى إفساد رمضان على المسلمين، وإشاعة ثالثة بأنه ملحد يهدف إلى محاربة دين الله، وأخرى بأنه سلفي متشدد، وتمت مناقشة أمر الشكوى عدة مرات، وفي كل مرة كان العمدة بدهائه يستطيع إخماد نار الغضب. وانصرف أغلبية الناس عن صلاة التراويح، وآثروا أن يقيموا حفلاتهم الابنتهالية المعتادة، واستمر الأمر هكذا حتى جاءت العشرة الأواخر، فانصرف الناس تماماً عن صلاة التراويح وقرروا أن يكتفوا بالتهجد حرصاً منهم على بلوغ ليلة القدر، وامتلأ المسجد في أول ليلة وترية، فصلى بهم الإمام كما لم يصل من قبل، صلى بهم ركعتين فقط من الواحدة صباحاً حتى الثالثة والنصف، حتى خشي الناس على سحورهم، فاعترضوا بشدة دون جدوى، ثم صلى بهم الشفع في خمسة دقائق وصلى الوتر ودعا، فكان دعاءه مملاً سخيفاً وطويلاً للغاية، وكلما اقترب الفجر كلما ازداد قلقهم، وكانوا يخشون أن يقطعوا الصلاة في وسط دعائهم لله، إلا الحاج عبد الخالق الذي قطع صلاته ودعاءه قائلاً في عصبية

"غور يا شيخ جتك غارة ..دعاء إيه الماسخ ده ..وصلاة إيه الماسخة اللي وراك دي"

وضحك الناس في صلاتهم ولم يتأثر الإمام فاستمر فى دعائه حتى قبيل الفجر بخمسة دقائق، وبمجرد تسليم الإمام هرول من تبقى بالمسجد إلى منازلهم ليأكلوا أي شيء.

وعلم الناس بالطريقة التى ستكون في صلاة التهجد، وخافوا على ليلة القدر، فاختلفت طريقة الناس في التعامل مع الأمر.فمنهم من قرر أن يصلى في بيته على صوت القاريء في إذاعة القرآن الكريم على الرغم من معرفته بعدم جواز هذا، وكان الحاج عبد الخالق من أنصار هذا الرأي، ومنهم من قرر أن يصلى معه الصلاة كلها إيماناً منه بضرورة قيام العشرة الأواخر كلهم وقد جاءوا بسحورهم معهم حتى يتسحروا بالمسجد، وكان من أنصار هذا الرأي الحاج عبد العال، وقررت جماعة المبتهلين أن تجلس بجوار المسجد تتسامر وتتبادل أطراف الحديث ثم يتسحرون، حتى إذا شعروا باقتراب الإمام من الركوع في الركعة الثانية أسرعوا إلى المسجد ودخلوا في الصلاة ثم قضوا الركعة الأولى الفائتة بعدما يسلم الإمام، وكانوا يتحملون الدعاء على مضض منهم. ولكنهم كانوا يعودون لبيوتهم فرحين شاعرين بأنهم قد وجدوا حيلة للانتصار على هذا الإمام الغريب، فكان الأفق يمتلأ بضحكاتهم الساخرة بعد إنتهاء الصلاة.

وكان هناك فتى خفيف الظل، ضاق ذرعاً بما يفعله الإمام فتربص به ذات ليلة ووقف في الصف الأول، فلما حضرت الصلاة وكبر الإمام وقرأ الفاتحة وقرأ خمسة آيات من القرآن حتى خرج الفتى عن صفه مستغلاً فترة سكوت بين آيتين وأسرع إلى الميكروفون وشب صائحاً

"الله أكبر"

وكان العديد من المصلين قد لاحظوا ما يفعله الفتى فانتظروا حتى أتم كلمته ثم قالوا كلهم في نفس واحد وبأعلى صوت ممكن وهم يركعون

"الله أكبر"

كانت حركة خفيفة الظل وبارعة في نفس الوقت إذ وجد الإمام نفسه مضطراً للركوع، ولكنه انتقم منهم في السجود فاستمرت السجدة الأولى لنصف ساعة وكذلك الثانية، وقد دعا أهل القرية في سجودهم هذا بصوت مرتفع على الإمام، فمنهم من دعا عليه بالكساح ومنهم من تمنى أن يخرج الله ما يفعله بهم على جثته، ومنهم من صرخ في سجوده أن حسبه الله ونعم الوكيل، وكلما طال السجود كلما طالت الدعوات، وقد أُعجب الفتى بالأمر فرفض التدخل وظل يضحك بهيستيرية.

وقد هرول المبتهلون إلى المسجد لما حيرتهم التكبيرة السريعة وحيرهم الصمت، فلما اقتربوا وجدوا المصلين ساجدين وصوت دعواتهم يخرج حانقاً.

كان إماماً وغداً بحق..

وفي ليلة السابع والعشرين امتلأ المسجد بالمصلين عن آخره، وكلُ يحمل حقيبة طعامه وشرابه، وأقبل العمدة في موكبه وعباءته الفخمة، وجاء المبتهلون من أول الصلاة وكذلك جاء الحاج لطفي، وقال العمدة للإمام وهو يقف في الصف الأول

"براحة شوية علينا يا شيخ .. الليلة ليلة القدر ..خلينا ندعيلك"

وكالعادة تجاهل الشيخ الخطاب وصلى بالناس وأطال صلاته وأطال، فشعر بعضهم بسوء نية الإمام هذه الليلة، فقطعوا صلاتهم وتسحروا ثم عادوا للصلاة، أما العمدة فقد شعر بالتعب بعد أول عشرة دقائق، لأنه لا يصلى في السنة كلها إلا يوم المُولد، ويوم صلاتي العيد وفي ليلة السابع والعشرين من رمضان، فلما أطال الإمام أخذ العمدة يفرك ساقيه في ألم، حتى جاء أحد صبيانه صارخاً على باب المسجد

"الحق يا عمدة ..مراتك تعبانة"

طبعاً كانت حيلة ماكرة جهزها العمدة إن أطال الإمام في صلاته، وقد نجحت ولكن بعض المصلين قطعوا صلاتهم قائلين

"ألف سلامة يا عمدة ..استنى يا عمدة إحنا جايين نطمن"

فرد العمدة وهو يخرج من المسجد

" وتسيب الصلاة ياواد منك له .. صلي يا ياواد يا لئيم إنت وهو ..أنا عندي ظرف طاريء ..وإن الله يحب أن تستخدم رخصه"

وأسرع العمدة لبيته يفكر في أمر الإمام العجيب بعد أن ذاق لأول مرة قسوته، وقد رفض فكرة أن يتدخل خوفاً من أن يتأثر منصبه، لأنه قد سمع أن هذا الإمام مسنود من شخصية هامة في المحافظة.

وفي المسجد، قطع كل المصليين بلا استثناء صلاتهم وتسحروا ثم عادوا لها، فشعروا بسعادة بالغة لأنهم قد خدعوا الإمام، ووجدوا هذا حلاً مناسباً لهم،وانتشر هذا الحل في أرجاء القرية، وعاد المسجد ليمتلأ بالمصليين في التراويح وفي التهجد بعد أن تكييفوا على الوضع الصعب. في التراويح يصلى الناس ركعتين وينصرفون، وفي التهجد يصلون ثم يقطعون الصلاة ويتسحرون ويستريحون ثم يعودون لإكمالها. وتمت الثلاثة ليالي الأخيرة من رمضان على خير، وانتهى رمضان ورحل الإمام وعاد الشيخ عبد الكريم فاستقبلته القرية بالأحضان والدموع، وصلى بهم العيد فكانت صلاة سريعة للغاية. وظلوا لفترة ليست بالقصيرة يتندرون بما حدث لهم، وقد اجتمع مجموعة من الشباب بالشيخ عبد الكريم وطلبوا منه أن يعلمهم القرآن حتى لا يضطروا آسفين لتحمل مثل هذا الموقف العصيب ثانية.

وفي القاهرة وصل تقرير هام إلى أحد القيادين يتحدث بتفصيل ممل عن الطريقة التي يتبعها الشعب المصري في المقاومة إذا تمت ممارسة بعض الضغوط الخفيفة على بعض شعائره الدينية. وكان التقرير قد خرج بعد عدة دراسات عملية قامت في مجموعة من المناطق المختلفة من الجمهورية.

عماد الدين السيد

30/9/2008

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق