السبت، 4 أبريل 2009

في رحاب أسطورة


في قرية من قرى الصعيد، التي لا تعرف إلا نور القمر بعد الغروب، فيصبح اقتحام الحقول الواسعة المظلمة ضرباً من الشجاعة، يتسامر الرجال بشواربهم الكثيفة على الحصر المفروشة أمام منازلهم وهم يحتسون الشاي الثقيل ويرصون معه أحجاراً من الدخان ويشعلون ناراً للدفء في العيدان الجافة بجوارهم. ويجلس على مقربة منهم المراهقون ينسجون خيوط أحاديثهم الخاصة. وتمر حكايات العمل بجدلها البسيط كشمس الشتاء، قبل أن تحجبها غيوم الحكايات الأسطورية عن الجن والشياطين، فتصمت الألسنة وترنو القلوب لصوت الراوي ويعبث الخيال بالخيال، ويذوب المراهقون في دائرة الكبار، ويصبح التلذذ بالرعب غاية وتصديق حكاياته وإن غُيب فيها العقل وسيله، ويقطع رخامة الصوت بين الحين والآخر صوت رجل مرتبك يداري خوفه بالسخرية من المراهقين الخائفين

"انظروا للأولاد الخائفين ..لا تخف يا ولد "

وينغمرون للحظات في الضحك المواري لحقيقة قلوبهم، ثم يعود الراوي ليكمل قصته، ويعود الصمت المتوجس مما حوله ويسود.

وفي أحد البيوت القديمة في القرية، جلست الأم لتهب الحنان بيدها للصبي الذي رقد في حجرها، والذي بدا وجهه وكأنه يشع نورا، وبدا جماله وكأنه لا ينسجم مع الأثاث القديم والجدران المتشققة وملامح الإرهاق المحفورة على وجه أمه.

واليوم هو قد بلغ العاشرة. أحضرته أمه، وأرقدته في حجرها ومسحت على وجهه الجميل وشعره الناعم وحكت له حكاية طويلة عن أسطورة تتداولها ألسنة القرية منذ سنوات كثيرة.

قالت

" منذ زمن ليس بالبعيد كان طه الشكيوي يعمل ممرضاً في المركز الطبي الصغير في القرية. يقضي نهاره في عمله، ثم يعود لبيته حيث زوجته التي في مثل سنه تستقبله مع أولاده السبعة بابتسامة بشوش أو بوجه عابس ، وتمضي مشاعرها المتغيرة الصادقة على قلبه كالنسيم، ينام القيلولة لساعتين ثم يخرج في الليل ليمر على بعض البيوت التي يعطي الحقن لمرضاها، حيث لا يجيد ضرب الحقن إلا قلة من الناس تُعد على أصابع اليد الواحدة. وكان طيباً وذو سمعة عطرة، فكان الرجال لا يمانعون أن ينكشف على زوجاتهم، ولا يقبلون غيره، فإن غاب يرسلون إليه رسولاً يستفسر عن سر غيابه. واقتضت شهرة طه أن يزور الكثير من منازل القرية ومنازل بعض القرى المجاورة كذلك، فكان يضطر للمرور وسط الغيطان الواسعة المظلمة مسترشداً بضوء القمر. قلبه شجاع لا يخاف. يؤمن بالجن وحكاياته التي يسمعها، ولكنه كذلك يؤمن أنها تخرج فقط للجبناء وهو ليس منهم. و قد رُزق منذ ستة أشهر فقط بطفل جميل خيب جماله ظن المتوقعين لقبحه. إذ قد حملت به زوجته وهي في الخمسين، فتوقع الجميع أن يولد مشوهاً أو أبلهاً أو عاجزاً، ولكنه حير العقول بجماله الأخاذ وجسده الناصع البياض وعينيه الواسعتين وشعره الأسود الفاحم. كان جميلاً ومختلفاً عن كل ابناء القرية. وأصبح جماله يضرب به المثل، وسموه أيمن، وأصبح إخوته وأبوه وأمه يتباركون به، فيضعون يده في جيوبهم إذا خرجوا للعمل، فيعودون وقد امتلأت بالخير الكثير. ومن ينسى منهم هذا الطقس يعود من عمله بلا خير يُذكر. وقالوا عنه أنه يصمت عندما يُصدح بالآذان وكأنه يستمع له بكل تركيزه. وصار أيمن قصة ومثل وحديث سمر، ويُتوقع له بالكثير والكثير في مستقبله. ويتباهي أهله به ويستأذن الصبية لرؤيته.


وفي ليلة غابرة، كان طه يسير في عتمة الحقول متجهاً نحو قرية أخرى ليؤدي عمله اليومي، لم يكن في الليلة شيء مختلف إلا الجو الكئيب وحشرات الليل الصامتة، ومضى وهو منشغل بالتفكير في ابنه أيمن، وبدا الطريق طويلاً هذه المرة، واشتد السعال عليه فجأة فأصبح كالذباب الذي لا يكف عن الإلتصاق بالوجوه، وأحس بإنقباض في قلبه، فاستعاذ واستمر في طريقه، ولكنه عاد ليتوقف ثانية ويشعر وكأن شيئاً غريباً يحدث حوله، وقال لنفسه

"ما بال الليل يسخر بي"

وبدأت حكايات الجن تدور في رأسه فتفزعه، وسحق خياله شجاعته، وسمع فجأة صوتاً يناديه من خلفه

"أنت يا من تمشي هناك"

ارتعد والتفت جزعاً فإذا برجل مهيب يبلغ ضعفين حجمه وكل ملابسه بيضاء وله لحية شيب كأنها القطن. فزع طه وأًلجم لسانه وظنه من الجن، وقال الرجل

"هل ترى كل هذه الأرض"

وأشار إشارات واسعة توحي بمئات الفدادين. ولم يجب طه ولم يتنفس فتابع المهيب

"أعطنى أيمن وتكون كل هذه الأرض ملكك"

وشهق الشكيوي وظهرت رده فعله تلقائية مفزوعة

"تأخذ ولدي؟!!"

فاختفى الرجل فجأة ولم يعد، وارتعش طه وانتفض وخارت أعصابه وسقط أرضاً وبكى، ثم هب وأخذ يركض كركض الهارب من الموت، يتطوح يمنة ويسره كالسكير، واحتواه أهله مفزوعين، وارتفعت حرارته وحكى لهم الحكاية فصدقوها.

واتجهت الأنظار نحو أيمن، فإذا به سليماً نضراً كزهرة الياسمين، يضحك كالكروان. وكان سريره عبارة عن صينية عريضة مفروشة بمفرش قطني صغير، ونام فيه بجوار والديه ليطمئنا، ولكن مع اشتداد الظلمة واقتراب الفجر بدأ الصغير ذو الثلاثة أشهر يأن أنيناً متصلاً وغريباً وكأنه يتعذب، وانتفض الوالدان، وتسارعت خطوات الأسرة إلى المركز الطبي. ولم يعرف الطبيب السر، ولم يكف الصغير عن الأنين.

واستمر الأنين في نهار اليوم التالي، لا ينقطع أبداً، وبدا صوت الكروان وكأنه قد هاجر إلى بلاد بعيدة تقع خلف السماء والشمس والسحب والحقول، واستمرت الأم تبكي بجواره، يحرقها الأنين. وأخذ عقل الأب يذهب ويأتين ويتذكر ما حدث ويتنبأ بما سيحدث، وصمت جوار ابنه ووقف على حفرة من جنون. وفي الليل غابت عنه العيون للحظات فعادوا فإذا بجسده قد اصطبغ بزرقة شديدة، وانقلب على وجهه ولم يسمع له بعدها صوت.

وبين البكاء والألم برز الفضول، فتوجهوا نحو شيخ يقولون عنه أنه يفك أعمال السحر، وقد قال لطه

"لو كنت قد قلت له خذه لكنت قد اغتنيت وكان ابنك عاش"

ومضت الايام، وأصبح أيمن حكاية جديدة كحكايات النداهة تحكيها الجدات لأحفادهن قبيل النوم، ويلوكها الرجال بألسنتهم في اجتماعات الليل، وتثير خيالات المراهقين فيذهبون سراً إلى الحقول متحدين كثافة السحب ومستكشفين كهوف الليل.


واعتزل طه الشكيوي القرى المجاورة، واقتصر عمله على قريته خوفاً من ضياع ابن آخر.


وبعد سنوات مات الشكيوي وتزوجت ابنته فاطمة من خميس، ورُزقت بثلاثة بنات وولد، وذهلت لما رأت ابنها الوحيد بين يديها بعدما وضعته. فكان جماله كجمال أيمن. وحلت الرهبة محل الفرحة بأول ولد، وأصبحت رائحة الشمس منذرة، والضياء لا معنى له، وحل التجهم ضيفاً والتشاؤم جليساً والقرآن والرقية والدجل كأصحاب بيت. وسماه أبوه علي، ولما بلغ شهره الثالث بد الشبه بينه وبين أيمن جلياً. وفي ليلة عذاب بحثت فاطمة عن ابنها فلم تجده، وهلعت وملأت الدنيا صراخاً، وقال لها الشهود أن أباه قد خرج به ناحية الحقول ففزعت وهرولت باتجاه الحقول دون أن ترتدي ما يستر. واحتذي بخطواتها عشرات الرجال بالمشاعل، واضطربت الدنيا في لحظة، وبلغ الترقب قمته واستعد لاضمحلاله بمجرد حدوث المفاجأة. واصطدمت الأقدام بجثة على الأرض فإذا به زوجها. وأفاق مرتجفاً والفزع يملأ أركانه، وأخذ يلطم

"ضاع علي .. ضاع علي"

وكادت فاطمة أن تشق ملابسها دون وعي، وأخذت تقفز وتنتحب وتلطم وتهوي. وندم الأب على لحظات ضعفه أمام بريق المال. ومرت الأيام ومات أغنى أغنياء القرية صاحب الحقول الواسعة وكتب ملكه كله لخميس. وكذب نصف تفسير الشيخ فلم يبق عليّ. واغتنت فاطمة وزوجها ولم ينعما. وأصبح الوهم حقيقة، وصار من يكذب الأساطير سفيه وأعمى، وبقيت سرايا فاطمة شاهدة واضحة لا يمكن تجاهلها.

ومات خميس من الحزن مبكراً وقال بوهن آخر عباراته وهي التى لم يكف عن ترديدها بعد الحادث

"ظننته يبقى"

وهكذا، كلما وُلد مولود جديد عند آل الشكيوي، كلما اضطربت قلوب أهل القرية. حتى جاء الدور على فتحية ابنه فاطمة فانجبت محمد. وكانت حاسمة في فعلتها فهاجرت وزوجها من القرية إلى القاهرة حيث الزحام يعيق الأشباح عن الظهور. ومرت أربعة أشهر حتى ظنا أن الأمر قد فلح. ولكن الخطأ كان من نصيبهم إذ ظهر الرجل الغريب لزوجها فجأة وهو يسير وحيداً في شارع مظلم. وخيره هذه المرة بين السلطة وبين ابنه، وبكى الرجل بشدة ولم يجب في أول الأمر، واستكان واسترضى فلم ينل خيرا، ثم اختار السلطة بعدما وجدها أنسب الحلول، حيث أن ما حدث من قبل يؤكد أن ابنه سيموت في الحالتين، واختفى المهيب، وحدث نفس ما حدث لأيمن. وأدرك الجميع أن الأمر لا علاقة له بالمكان وأن المهيب يخترق الظلمات ويحيا في السحب الداكنة. وعادت فتحية للسرايا تجتر أحزانها، ونال زوجها عمودية القرية وصار سيدها بخطاب من الوزارة غير مبرر، ولا تفسير له سوى الاسطورة. وأنجبت فتحية بنتاً رائعة الجمال سمتها سمية، وأنجبت أخرى تقل كثيراً في بهائها عن سمية وسمتها كوثر. وباتت كل لحظة ولادة لسمية مخيفة إذ أنها تتمتع بقدر من الجمال يجعلها قادرة على إنجاب طفل جميل. ولكن الأمر أتى من قبل كوثر هذه المرة. وبعد الولادة بإسبوع واحد ماتت كل العائلة في حريق أصاب جزءاً كبيراً من السرايا. وتلوثت الجدران بلون الحريق الأسود وبالذكريات المخيفة. وغزت الدودة كل محصول الحقول فلم يعد لها نفع، وتراكمت الديون وبيعت الأرض في مزاد، وهكذا في لحظة واحدة ضاع المال وانتهت السلطة وحلت الوحدة والضعف. وبقيت كوثر وحدها في السرايا النصف محترقة يداعبها الخوف. وصممت على أن تحمي ابنها ولو قتلت الرجل المهيب. ولم تسمح لنفسها بالخروج بعد الغروب قط. وكان القرآن لا يكف عن الخروج من الجرامافون الجديد الذي اشترته بعد الولادة خصيصاً لحمايتها. ولما بلغ الوليد شهره الثالث جاءها الكابوس الأكبر، إذ قد ظهر المهيب فجأة من مكان مظلم في عقلها فرأته بملامحه المخيفة يدعوها للخروج، وخرجت من السرايا فإذا بها وسط الحقول، ودارت بينهما مواجهة أسطورية في المنام، ورأت وجوه أيمن وعلي و محمد أطفالاً تسد الأفق وقد شابت شعورهم وانطفأت عيونهم. وخيرها المهيب بين عودة المال والسلطة واكتساب الجمال المطلق وبين ابنها. وكرهت اختياراً بلا اختيار، ولكنها كانت على استعداد للمواجهه الشرسة فصرخت في المهيب

" منذ أن عرفناك وأنت تقتل خيرة أولادنا، وتخيرنا اختياراً مفزعاً لا حق لك فيه ، وتسكب الملح في جروح ضعفنا، وتلعب على أوتار الأمومة والأبوة والغريزة المتدفقة. كنت تتحكم فينا يوم أن جعلت الخيار لقلوبنا الجزعة. ولكني اليوم أدمر اختياري وأدمر سطوتك. اليوم الخيار له، هو صاحب الأمر"

وجذبت ابنها من اللامكان ووضعته أمامها وبثت في جسده كل طاقة أمومتها وقالت

"قل له أنك لا تريده"

وصرخت

"اسحقه باختيارك "


---


وابتسمت الأم وقالت بعدما روت للصبي الصغير الحكاية

" وهاهي عشرة أعوام قد مرت ولم يحدث شيء، ولا أدرى هل ستظهر أمور جديدة أم لا، ولكني أشعر بيقين قلبي أن الأمر قد انتهى وأن الخوف لن يعود"

ابتسم لها الصبي وقال

"لا أذكر شيئاً من هذا.. لا أذكر المهيب ولا أذكر اختياري ..وكيف أتذكره وقد حدث في خيالك؟"

نظرت له ثم طبعت على جبينه قبله حنان وهمست

"لا يهم .. المهم أن تحفظ هذه القصة كاسمك، وتتخذها حقيقة كضوء الشمس، وصوت الرياح، وجذور النبات. وتدرك أن نجاتك أنت بالذات ليست عبثاً، وأن الأقدار تعرف طريقها ولو خبت نور القمر وانطفأت كل النجوم"

ابتسم فختمت الحكاية قائلة

"وانهدمت السرايا وعدنا لدار جدنا القديمة، وها نحن نحيا في أمن، لا يعيقنا ليل ولا ترهبنا ظلمة"


عماد الدين السيد

16/3/2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق