السبت، 4 أبريل 2009

تنحية الإمام



في بداية الستينات من القرن الماضي تزين المسجد الوحيد في القرية الفقيرة النائية لرمضان خير زينة، فرممت الجدران الطينية بطين جديد، وفرش المشمع العريض فوق السقف الذي يتكون من البوص، وعلق كلوب كبير بداخل المسجد، وفانوس جميل بخارجه، وعلقت الزينات، وأقيمت خيمة واسعة أمام باب المسجد ليتسع للمصلين، وكانت مسقوفة بقماش أحمر سميك كتبت عليه آيات قرآنية رقيقة. وقدمت المحافظة لهم ميكروفوناً جديداً. واستعدت دور المناسبات في كل عائلة لتستقبل المبتهل الذي سيقيم لهم حفلات المساء حيث يجتمعون حوله في الغرفة الواسعة التي احتلت ثلاثة من جوانبها أرائك واسعة صنعت من الطوب اللبن، ووضعت بضع قطع من الاشولة والكليم عليها لتصبح مناسبة للجلوس، فيجتمع رجال العائلة وشبابها فيها والمبتهل بينهم يملأ المكان بابتهالات جميلة ويكررها ويحبرها لهم فيطلقون صيحات الاستحسان من حين لآخر، ويستمر الأمر لساعة قبل أن يرحل الشيخ أو يبقى ليتبادل أحاديث السمر الإجتماعية أو السياسية أحياناً مع رجال العائلة. ثم يخرج فوج من كل عائلة ليزور دار مناسبات عائلة أخرى يتبادلون معهم بعض أحاديث السمر، ثم يعودون ليبدأون في تناول وجبة السحور ثم يخرجون لصلاة الفجر أو ينامون قبيل الفجر لأنهم سيستيقطون باكراً بعد الشروق بلحظات ليسرحون بغنائمهم أو يؤدون مهامهم الرئيسية في حقولهم، حتى ينتصف النهار فينامون ويستيقظون قبيل المغرب ليستعدون للفطر. ثم يتوجهون إلى صلاة العشاء والتراويح التي يجعلها إمام المسجد الشيخ عبد الكريم خفيفة لا تستغرق سوى نصف ساعة، ومن ثم يعودون لدور المناسبات وتعود الكرة من جديد.

ثم جاء الخبر الغريب وهو أن المحافظة قد عينت لهم إماماً جديداً للمسجد، وثار الشيخ عبد الكريم على فقده لعرشه، وظل يشكو في دار المناسبات في كل عائلة، وجعل صورة الإمام الجديد قبيحة في أعينهم. وقد استقبله يوم وصوله بفتور كبير وأسلمه مفاتيح المسجد، ففوجيء بالوجه المكفهر للإمام الجديد. وهدأ الشيخ عبد الكريم نوعاً لما علم أنه سيكون إمام أحد مساجد المدينة، فعاد لزيارة كل عائلة ليخبرهم بالخبر السعيد متفاخراً في كل لحظة بروعة صوته التي جعلت المحافظة تنتبه له وتعينه إماماً لأحد أكبر مساجد المدينة.

وبدأ رمضان وبدأ معه أهل القرية يستعدون لطقوسهم المعتادة في هذا الشهر الكريم، وفي صلاة التراويح صلى بهم الإمام، وكان صوته عادياً ليس بالقبيح أو الجميل وعلى وتيرة واحدة لا تتغير، وفوجيء المصلون بالإمام يطيل ويطيل في الصلاة، واستغرق ما يزيد على ثلاثة ساعات، حتى أن بعض المصلين قد انصرفوا في بعد أول ركعتين. وقد قام له الحاج عبد الخالق بعد الركعة الرابعة ليقول له

" براحة علينا يا عم الشيخ .. واحدة واحدة"

وانطلقت الأصوات المؤيدة فاكتفى الشيخ بنظرة متعالية وبتكشيرة قاسية ثم أكمل صلاته بنفس الوتيرة، فانصرف الحاج عبد الخالق وبعض أنصاره وهو يتمتم بعبارت غاضبة.

وانتشر الخبر في القرية كالنار في الهشيم، خصوصاً بعد أن تعطلت حفلات المساء التي تقام في دور المناسبات كل ليلة، وثار المبتهلون وغضبوا لمساهمة إمام المسجد في منع حصولهم على أجرهم من الابتهالات ، وقد كانوا يحصلون على جنيهين أو ثلاثة بعد عملهم طوال الشهر. فقاموا بتأجيج نار الغضب في نفوس الناس الغاضبة أصلاً.

وفي اليوم الثاني تكرر الأمر، فاجتمع جمع غفير في دوار العمدة لمناقشة أمر ذلك الزائر الغريب الذي يريد أن يعكر عليهم صفو رمضانهم. وقد خرجت أصوات تدعو لإرسال شكوى إلى المحافظة، فقال العمدة بلهجته ولهجة الفلاحين ابناء قريته

" يا خوانا مينفعش نشكي دلوقتي .. البلد في حالة صعبة ومحدش فاضي للكلام ده، وإحنا كدة بنعطلهم عن الحرب مع اليهود الكفرة"

والحق أنه كان يخشى أن يعترض على أمر من المحافظة فيهتز مقعده. واقتنعوا بكلامه فقال الحاج عبد العال

" العمدة بيتكلم صح يا خونا .. وأنا شايف إننا نكمل معاه لغاية ما الشهر يخلص .. وأهي علقة تفوت ولا حد يموت.. وبعدين يا جماعة ماهو كله ثواب ..ربنا حيجازينا على الصبر والصلاة "

فاعترض أحد الشباب وقال

"بس إحنا مانسكتش على الكلام ده يا حاج عبد العال ..ماهو ميكونش واحد غريب ولغوته غير لغوتنا وفهمه غير فهمنا وييجي يفرض علينا اللي هو عايزه"

وقال الحاج جمعة

"صح يا حامد .. وبعدين عيب يا خوانا لما كبارات البلد يكلموه وميديهمش وش"

فقال الحاج عبد الخالق

"طب والله العظيم أنا كل ليلة أكلمه وأقوله ميصحش يا عم الشيخ ..لكن مايردش عليا"

فقال العمدة محاولا تسوية الأمر

"خلاص ياخوانا .. إنتو تيجوا عندي هنا في الدوار .. ونصلى مع نفسنا ونسيبنا منه الشيخ ده"

فتساءل شاب

"وده يجوز يا عمدة"

"إيوة يجوز"

فسرت همهمة بين الجمع قبل أن يقول الشيخ عبد العال في خبث

" ومين اللي حيصلي بينا بقى يا عمدة"

فقال العمدة

"اي حد من المبتهلين .. الشيخ سعيد أو الشيخ ابراهيم أو الشيخ حافظ"

فألقى الحاج عبد العال نظرة سفلية خاطفة على المبتهلين الذين ارتبكت وجوههم ثم ابتسم بمكر وقال

" دول حافظين قل هو الله أحد بالعافية"

سرت همهمة ساخرة بين الناس وازداد ارتباك المبتهلين، فقال العمدة

"لا صحيح؟ .. يعني مش شيوخ ولا حاجة"

فضحك الناس وغضب المبتهلون وقال الشيخ ابراهيم

" ميصحش كدة يا عمدة ..إحنا متخصصين في الابتهالات"

" لا يا شيخ؟ متخصصين"

فتدخل الحاج جمعة قائلاً

" يا خوانا عيب الكلام ده .. دلوقتي مفيش حد يعرف ويفهم في القرآن غير الإمام الجديد، وبعدين الشيخ عبد الكريم بقى إمام مسجد في المدينة، يعني مينفعش يرجع، يبقى خلاص لازم نصلى وراه "

فقال الحاج عبد العال

" أنا قلت كده من الأول"

سرت همهة مستنكرة قبل أن يقول الحاج عبد الخالق

" لا .. ده راجل قليل الأدب .. أنا مش حاصلى التراويح السنة دي .. أنا حافظ المعوذتين وحاصلى بيهم الفروض"

وانصرف الجمع مختلفين فيما بينهم . فمنهم من قرر عدم الصلاة كالحاج عبد الخالق وبعض أفراد عائلته، ومنهم من قرر صلاة ركعتين أو أربع في المسجد، ومن الشباب من قرر أن يستمر وراءه حتى آخر ركعة. فكان الإمام يختم صلاة العشاء فينصرف معظم الناس ولا يبقى إلا القليل الذين ينصرفون كلما تقدم الإمام أكثر في الصلاة.

واجتمع أهل القرية ثانية عند دوار العمدة، وقرروا أن يذهبوا أفواجاً إلى الإمام الجديد، وكان العمدة لا يصلى أساساً فلم يكن الأمر يهمه، ولكنه اضطر رغماً عنه إلى الذهاب معهم قبل صلاة المغرب بساعة إلى بيت الإمام، ولكنهم فوجئوا ببابه موصداً بقفل سميك، وانتشر الخبر بأنه قد رحل، ولم يصل بعدها بهم المغرب، فبدأت النفوس ترتاح على حيرة منها، ولكنهم فوجئوا به في صلاة العشاء يقتحم المسجد في هيبته وصمته، ويصل بهم، فقال الحاج جمعة

"حمدلله على السلامة يا شيخ"

ولم يعره الشيخ اهتماماً ولم يرد على عبارته وبدأ الصلاة.

وكانوا كلما ذهبوا إليه في داره لم يجدوه، ولكنه كان موجوداً دوماً في المسجد عند صلاة العشاء والتراويح.

وساد الوجوم القرية وأصبح الإمام الجديد حديثها، وانتشرت إشاعة بأنه جني، وأخرى بأنه عميل لصالح اسرائيل يهدف إلى إفساد رمضان على المسلمين، وإشاعة ثالثة بأنه ملحد يهدف إلى محاربة دين الله، وأخرى بأنه سلفي متشدد، وتمت مناقشة أمر الشكوى عدة مرات، وفي كل مرة كان العمدة بدهائه يستطيع إخماد نار الغضب. وانصرف أغلبية الناس عن صلاة التراويح، وآثروا أن يقيموا حفلاتهم الابنتهالية المعتادة، واستمر الأمر هكذا حتى جاءت العشرة الأواخر، فانصرف الناس تماماً عن صلاة التراويح وقرروا أن يكتفوا بالتهجد حرصاً منهم على بلوغ ليلة القدر، وامتلأ المسجد في أول ليلة وترية، فصلى بهم الإمام كما لم يصل من قبل، صلى بهم ركعتين فقط من الواحدة صباحاً حتى الثالثة والنصف، حتى خشي الناس على سحورهم، فاعترضوا بشدة دون جدوى، ثم صلى بهم الشفع في خمسة دقائق وصلى الوتر ودعا، فكان دعاءه مملاً سخيفاً وطويلاً للغاية، وكلما اقترب الفجر كلما ازداد قلقهم، وكانوا يخشون أن يقطعوا الصلاة في وسط دعائهم لله، إلا الحاج عبد الخالق الذي قطع صلاته ودعاءه قائلاً في عصبية

"غور يا شيخ جتك غارة ..دعاء إيه الماسخ ده ..وصلاة إيه الماسخة اللي وراك دي"

وضحك الناس في صلاتهم ولم يتأثر الإمام فاستمر فى دعائه حتى قبيل الفجر بخمسة دقائق، وبمجرد تسليم الإمام هرول من تبقى بالمسجد إلى منازلهم ليأكلوا أي شيء.

وعلم الناس بالطريقة التى ستكون في صلاة التهجد، وخافوا على ليلة القدر، فاختلفت طريقة الناس في التعامل مع الأمر.فمنهم من قرر أن يصلى في بيته على صوت القاريء في إذاعة القرآن الكريم على الرغم من معرفته بعدم جواز هذا، وكان الحاج عبد الخالق من أنصار هذا الرأي، ومنهم من قرر أن يصلى معه الصلاة كلها إيماناً منه بضرورة قيام العشرة الأواخر كلهم وقد جاءوا بسحورهم معهم حتى يتسحروا بالمسجد، وكان من أنصار هذا الرأي الحاج عبد العال، وقررت جماعة المبتهلين أن تجلس بجوار المسجد تتسامر وتتبادل أطراف الحديث ثم يتسحرون، حتى إذا شعروا باقتراب الإمام من الركوع في الركعة الثانية أسرعوا إلى المسجد ودخلوا في الصلاة ثم قضوا الركعة الأولى الفائتة بعدما يسلم الإمام، وكانوا يتحملون الدعاء على مضض منهم. ولكنهم كانوا يعودون لبيوتهم فرحين شاعرين بأنهم قد وجدوا حيلة للانتصار على هذا الإمام الغريب، فكان الأفق يمتلأ بضحكاتهم الساخرة بعد إنتهاء الصلاة.

وكان هناك فتى خفيف الظل، ضاق ذرعاً بما يفعله الإمام فتربص به ذات ليلة ووقف في الصف الأول، فلما حضرت الصلاة وكبر الإمام وقرأ الفاتحة وقرأ خمسة آيات من القرآن حتى خرج الفتى عن صفه مستغلاً فترة سكوت بين آيتين وأسرع إلى الميكروفون وشب صائحاً

"الله أكبر"

وكان العديد من المصلين قد لاحظوا ما يفعله الفتى فانتظروا حتى أتم كلمته ثم قالوا كلهم في نفس واحد وبأعلى صوت ممكن وهم يركعون

"الله أكبر"

كانت حركة خفيفة الظل وبارعة في نفس الوقت إذ وجد الإمام نفسه مضطراً للركوع، ولكنه انتقم منهم في السجود فاستمرت السجدة الأولى لنصف ساعة وكذلك الثانية، وقد دعا أهل القرية في سجودهم هذا بصوت مرتفع على الإمام، فمنهم من دعا عليه بالكساح ومنهم من تمنى أن يخرج الله ما يفعله بهم على جثته، ومنهم من صرخ في سجوده أن حسبه الله ونعم الوكيل، وكلما طال السجود كلما طالت الدعوات، وقد أُعجب الفتى بالأمر فرفض التدخل وظل يضحك بهيستيرية.

وقد هرول المبتهلون إلى المسجد لما حيرتهم التكبيرة السريعة وحيرهم الصمت، فلما اقتربوا وجدوا المصلين ساجدين وصوت دعواتهم يخرج حانقاً.

كان إماماً وغداً بحق..

وفي ليلة السابع والعشرين امتلأ المسجد بالمصلين عن آخره، وكلُ يحمل حقيبة طعامه وشرابه، وأقبل العمدة في موكبه وعباءته الفخمة، وجاء المبتهلون من أول الصلاة وكذلك جاء الحاج لطفي، وقال العمدة للإمام وهو يقف في الصف الأول

"براحة شوية علينا يا شيخ .. الليلة ليلة القدر ..خلينا ندعيلك"

وكالعادة تجاهل الشيخ الخطاب وصلى بالناس وأطال صلاته وأطال، فشعر بعضهم بسوء نية الإمام هذه الليلة، فقطعوا صلاتهم وتسحروا ثم عادوا للصلاة، أما العمدة فقد شعر بالتعب بعد أول عشرة دقائق، لأنه لا يصلى في السنة كلها إلا يوم المُولد، ويوم صلاتي العيد وفي ليلة السابع والعشرين من رمضان، فلما أطال الإمام أخذ العمدة يفرك ساقيه في ألم، حتى جاء أحد صبيانه صارخاً على باب المسجد

"الحق يا عمدة ..مراتك تعبانة"

طبعاً كانت حيلة ماكرة جهزها العمدة إن أطال الإمام في صلاته، وقد نجحت ولكن بعض المصلين قطعوا صلاتهم قائلين

"ألف سلامة يا عمدة ..استنى يا عمدة إحنا جايين نطمن"

فرد العمدة وهو يخرج من المسجد

" وتسيب الصلاة ياواد منك له .. صلي يا ياواد يا لئيم إنت وهو ..أنا عندي ظرف طاريء ..وإن الله يحب أن تستخدم رخصه"

وأسرع العمدة لبيته يفكر في أمر الإمام العجيب بعد أن ذاق لأول مرة قسوته، وقد رفض فكرة أن يتدخل خوفاً من أن يتأثر منصبه، لأنه قد سمع أن هذا الإمام مسنود من شخصية هامة في المحافظة.

وفي المسجد، قطع كل المصليين بلا استثناء صلاتهم وتسحروا ثم عادوا لها، فشعروا بسعادة بالغة لأنهم قد خدعوا الإمام، ووجدوا هذا حلاً مناسباً لهم،وانتشر هذا الحل في أرجاء القرية، وعاد المسجد ليمتلأ بالمصليين في التراويح وفي التهجد بعد أن تكييفوا على الوضع الصعب. في التراويح يصلى الناس ركعتين وينصرفون، وفي التهجد يصلون ثم يقطعون الصلاة ويتسحرون ويستريحون ثم يعودون لإكمالها. وتمت الثلاثة ليالي الأخيرة من رمضان على خير، وانتهى رمضان ورحل الإمام وعاد الشيخ عبد الكريم فاستقبلته القرية بالأحضان والدموع، وصلى بهم العيد فكانت صلاة سريعة للغاية. وظلوا لفترة ليست بالقصيرة يتندرون بما حدث لهم، وقد اجتمع مجموعة من الشباب بالشيخ عبد الكريم وطلبوا منه أن يعلمهم القرآن حتى لا يضطروا آسفين لتحمل مثل هذا الموقف العصيب ثانية.

وفي القاهرة وصل تقرير هام إلى أحد القيادين يتحدث بتفصيل ممل عن الطريقة التي يتبعها الشعب المصري في المقاومة إذا تمت ممارسة بعض الضغوط الخفيفة على بعض شعائره الدينية. وكان التقرير قد خرج بعد عدة دراسات عملية قامت في مجموعة من المناطق المختلفة من الجمهورية.

عماد الدين السيد

30/9/2008

في رحاب أسطورة


في قرية من قرى الصعيد، التي لا تعرف إلا نور القمر بعد الغروب، فيصبح اقتحام الحقول الواسعة المظلمة ضرباً من الشجاعة، يتسامر الرجال بشواربهم الكثيفة على الحصر المفروشة أمام منازلهم وهم يحتسون الشاي الثقيل ويرصون معه أحجاراً من الدخان ويشعلون ناراً للدفء في العيدان الجافة بجوارهم. ويجلس على مقربة منهم المراهقون ينسجون خيوط أحاديثهم الخاصة. وتمر حكايات العمل بجدلها البسيط كشمس الشتاء، قبل أن تحجبها غيوم الحكايات الأسطورية عن الجن والشياطين، فتصمت الألسنة وترنو القلوب لصوت الراوي ويعبث الخيال بالخيال، ويذوب المراهقون في دائرة الكبار، ويصبح التلذذ بالرعب غاية وتصديق حكاياته وإن غُيب فيها العقل وسيله، ويقطع رخامة الصوت بين الحين والآخر صوت رجل مرتبك يداري خوفه بالسخرية من المراهقين الخائفين

"انظروا للأولاد الخائفين ..لا تخف يا ولد "

وينغمرون للحظات في الضحك المواري لحقيقة قلوبهم، ثم يعود الراوي ليكمل قصته، ويعود الصمت المتوجس مما حوله ويسود.

وفي أحد البيوت القديمة في القرية، جلست الأم لتهب الحنان بيدها للصبي الذي رقد في حجرها، والذي بدا وجهه وكأنه يشع نورا، وبدا جماله وكأنه لا ينسجم مع الأثاث القديم والجدران المتشققة وملامح الإرهاق المحفورة على وجه أمه.

واليوم هو قد بلغ العاشرة. أحضرته أمه، وأرقدته في حجرها ومسحت على وجهه الجميل وشعره الناعم وحكت له حكاية طويلة عن أسطورة تتداولها ألسنة القرية منذ سنوات كثيرة.

قالت

" منذ زمن ليس بالبعيد كان طه الشكيوي يعمل ممرضاً في المركز الطبي الصغير في القرية. يقضي نهاره في عمله، ثم يعود لبيته حيث زوجته التي في مثل سنه تستقبله مع أولاده السبعة بابتسامة بشوش أو بوجه عابس ، وتمضي مشاعرها المتغيرة الصادقة على قلبه كالنسيم، ينام القيلولة لساعتين ثم يخرج في الليل ليمر على بعض البيوت التي يعطي الحقن لمرضاها، حيث لا يجيد ضرب الحقن إلا قلة من الناس تُعد على أصابع اليد الواحدة. وكان طيباً وذو سمعة عطرة، فكان الرجال لا يمانعون أن ينكشف على زوجاتهم، ولا يقبلون غيره، فإن غاب يرسلون إليه رسولاً يستفسر عن سر غيابه. واقتضت شهرة طه أن يزور الكثير من منازل القرية ومنازل بعض القرى المجاورة كذلك، فكان يضطر للمرور وسط الغيطان الواسعة المظلمة مسترشداً بضوء القمر. قلبه شجاع لا يخاف. يؤمن بالجن وحكاياته التي يسمعها، ولكنه كذلك يؤمن أنها تخرج فقط للجبناء وهو ليس منهم. و قد رُزق منذ ستة أشهر فقط بطفل جميل خيب جماله ظن المتوقعين لقبحه. إذ قد حملت به زوجته وهي في الخمسين، فتوقع الجميع أن يولد مشوهاً أو أبلهاً أو عاجزاً، ولكنه حير العقول بجماله الأخاذ وجسده الناصع البياض وعينيه الواسعتين وشعره الأسود الفاحم. كان جميلاً ومختلفاً عن كل ابناء القرية. وأصبح جماله يضرب به المثل، وسموه أيمن، وأصبح إخوته وأبوه وأمه يتباركون به، فيضعون يده في جيوبهم إذا خرجوا للعمل، فيعودون وقد امتلأت بالخير الكثير. ومن ينسى منهم هذا الطقس يعود من عمله بلا خير يُذكر. وقالوا عنه أنه يصمت عندما يُصدح بالآذان وكأنه يستمع له بكل تركيزه. وصار أيمن قصة ومثل وحديث سمر، ويُتوقع له بالكثير والكثير في مستقبله. ويتباهي أهله به ويستأذن الصبية لرؤيته.


وفي ليلة غابرة، كان طه يسير في عتمة الحقول متجهاً نحو قرية أخرى ليؤدي عمله اليومي، لم يكن في الليلة شيء مختلف إلا الجو الكئيب وحشرات الليل الصامتة، ومضى وهو منشغل بالتفكير في ابنه أيمن، وبدا الطريق طويلاً هذه المرة، واشتد السعال عليه فجأة فأصبح كالذباب الذي لا يكف عن الإلتصاق بالوجوه، وأحس بإنقباض في قلبه، فاستعاذ واستمر في طريقه، ولكنه عاد ليتوقف ثانية ويشعر وكأن شيئاً غريباً يحدث حوله، وقال لنفسه

"ما بال الليل يسخر بي"

وبدأت حكايات الجن تدور في رأسه فتفزعه، وسحق خياله شجاعته، وسمع فجأة صوتاً يناديه من خلفه

"أنت يا من تمشي هناك"

ارتعد والتفت جزعاً فإذا برجل مهيب يبلغ ضعفين حجمه وكل ملابسه بيضاء وله لحية شيب كأنها القطن. فزع طه وأًلجم لسانه وظنه من الجن، وقال الرجل

"هل ترى كل هذه الأرض"

وأشار إشارات واسعة توحي بمئات الفدادين. ولم يجب طه ولم يتنفس فتابع المهيب

"أعطنى أيمن وتكون كل هذه الأرض ملكك"

وشهق الشكيوي وظهرت رده فعله تلقائية مفزوعة

"تأخذ ولدي؟!!"

فاختفى الرجل فجأة ولم يعد، وارتعش طه وانتفض وخارت أعصابه وسقط أرضاً وبكى، ثم هب وأخذ يركض كركض الهارب من الموت، يتطوح يمنة ويسره كالسكير، واحتواه أهله مفزوعين، وارتفعت حرارته وحكى لهم الحكاية فصدقوها.

واتجهت الأنظار نحو أيمن، فإذا به سليماً نضراً كزهرة الياسمين، يضحك كالكروان. وكان سريره عبارة عن صينية عريضة مفروشة بمفرش قطني صغير، ونام فيه بجوار والديه ليطمئنا، ولكن مع اشتداد الظلمة واقتراب الفجر بدأ الصغير ذو الثلاثة أشهر يأن أنيناً متصلاً وغريباً وكأنه يتعذب، وانتفض الوالدان، وتسارعت خطوات الأسرة إلى المركز الطبي. ولم يعرف الطبيب السر، ولم يكف الصغير عن الأنين.

واستمر الأنين في نهار اليوم التالي، لا ينقطع أبداً، وبدا صوت الكروان وكأنه قد هاجر إلى بلاد بعيدة تقع خلف السماء والشمس والسحب والحقول، واستمرت الأم تبكي بجواره، يحرقها الأنين. وأخذ عقل الأب يذهب ويأتين ويتذكر ما حدث ويتنبأ بما سيحدث، وصمت جوار ابنه ووقف على حفرة من جنون. وفي الليل غابت عنه العيون للحظات فعادوا فإذا بجسده قد اصطبغ بزرقة شديدة، وانقلب على وجهه ولم يسمع له بعدها صوت.

وبين البكاء والألم برز الفضول، فتوجهوا نحو شيخ يقولون عنه أنه يفك أعمال السحر، وقد قال لطه

"لو كنت قد قلت له خذه لكنت قد اغتنيت وكان ابنك عاش"

ومضت الايام، وأصبح أيمن حكاية جديدة كحكايات النداهة تحكيها الجدات لأحفادهن قبيل النوم، ويلوكها الرجال بألسنتهم في اجتماعات الليل، وتثير خيالات المراهقين فيذهبون سراً إلى الحقول متحدين كثافة السحب ومستكشفين كهوف الليل.


واعتزل طه الشكيوي القرى المجاورة، واقتصر عمله على قريته خوفاً من ضياع ابن آخر.


وبعد سنوات مات الشكيوي وتزوجت ابنته فاطمة من خميس، ورُزقت بثلاثة بنات وولد، وذهلت لما رأت ابنها الوحيد بين يديها بعدما وضعته. فكان جماله كجمال أيمن. وحلت الرهبة محل الفرحة بأول ولد، وأصبحت رائحة الشمس منذرة، والضياء لا معنى له، وحل التجهم ضيفاً والتشاؤم جليساً والقرآن والرقية والدجل كأصحاب بيت. وسماه أبوه علي، ولما بلغ شهره الثالث بد الشبه بينه وبين أيمن جلياً. وفي ليلة عذاب بحثت فاطمة عن ابنها فلم تجده، وهلعت وملأت الدنيا صراخاً، وقال لها الشهود أن أباه قد خرج به ناحية الحقول ففزعت وهرولت باتجاه الحقول دون أن ترتدي ما يستر. واحتذي بخطواتها عشرات الرجال بالمشاعل، واضطربت الدنيا في لحظة، وبلغ الترقب قمته واستعد لاضمحلاله بمجرد حدوث المفاجأة. واصطدمت الأقدام بجثة على الأرض فإذا به زوجها. وأفاق مرتجفاً والفزع يملأ أركانه، وأخذ يلطم

"ضاع علي .. ضاع علي"

وكادت فاطمة أن تشق ملابسها دون وعي، وأخذت تقفز وتنتحب وتلطم وتهوي. وندم الأب على لحظات ضعفه أمام بريق المال. ومرت الأيام ومات أغنى أغنياء القرية صاحب الحقول الواسعة وكتب ملكه كله لخميس. وكذب نصف تفسير الشيخ فلم يبق عليّ. واغتنت فاطمة وزوجها ولم ينعما. وأصبح الوهم حقيقة، وصار من يكذب الأساطير سفيه وأعمى، وبقيت سرايا فاطمة شاهدة واضحة لا يمكن تجاهلها.

ومات خميس من الحزن مبكراً وقال بوهن آخر عباراته وهي التى لم يكف عن ترديدها بعد الحادث

"ظننته يبقى"

وهكذا، كلما وُلد مولود جديد عند آل الشكيوي، كلما اضطربت قلوب أهل القرية. حتى جاء الدور على فتحية ابنه فاطمة فانجبت محمد. وكانت حاسمة في فعلتها فهاجرت وزوجها من القرية إلى القاهرة حيث الزحام يعيق الأشباح عن الظهور. ومرت أربعة أشهر حتى ظنا أن الأمر قد فلح. ولكن الخطأ كان من نصيبهم إذ ظهر الرجل الغريب لزوجها فجأة وهو يسير وحيداً في شارع مظلم. وخيره هذه المرة بين السلطة وبين ابنه، وبكى الرجل بشدة ولم يجب في أول الأمر، واستكان واسترضى فلم ينل خيرا، ثم اختار السلطة بعدما وجدها أنسب الحلول، حيث أن ما حدث من قبل يؤكد أن ابنه سيموت في الحالتين، واختفى المهيب، وحدث نفس ما حدث لأيمن. وأدرك الجميع أن الأمر لا علاقة له بالمكان وأن المهيب يخترق الظلمات ويحيا في السحب الداكنة. وعادت فتحية للسرايا تجتر أحزانها، ونال زوجها عمودية القرية وصار سيدها بخطاب من الوزارة غير مبرر، ولا تفسير له سوى الاسطورة. وأنجبت فتحية بنتاً رائعة الجمال سمتها سمية، وأنجبت أخرى تقل كثيراً في بهائها عن سمية وسمتها كوثر. وباتت كل لحظة ولادة لسمية مخيفة إذ أنها تتمتع بقدر من الجمال يجعلها قادرة على إنجاب طفل جميل. ولكن الأمر أتى من قبل كوثر هذه المرة. وبعد الولادة بإسبوع واحد ماتت كل العائلة في حريق أصاب جزءاً كبيراً من السرايا. وتلوثت الجدران بلون الحريق الأسود وبالذكريات المخيفة. وغزت الدودة كل محصول الحقول فلم يعد لها نفع، وتراكمت الديون وبيعت الأرض في مزاد، وهكذا في لحظة واحدة ضاع المال وانتهت السلطة وحلت الوحدة والضعف. وبقيت كوثر وحدها في السرايا النصف محترقة يداعبها الخوف. وصممت على أن تحمي ابنها ولو قتلت الرجل المهيب. ولم تسمح لنفسها بالخروج بعد الغروب قط. وكان القرآن لا يكف عن الخروج من الجرامافون الجديد الذي اشترته بعد الولادة خصيصاً لحمايتها. ولما بلغ الوليد شهره الثالث جاءها الكابوس الأكبر، إذ قد ظهر المهيب فجأة من مكان مظلم في عقلها فرأته بملامحه المخيفة يدعوها للخروج، وخرجت من السرايا فإذا بها وسط الحقول، ودارت بينهما مواجهة أسطورية في المنام، ورأت وجوه أيمن وعلي و محمد أطفالاً تسد الأفق وقد شابت شعورهم وانطفأت عيونهم. وخيرها المهيب بين عودة المال والسلطة واكتساب الجمال المطلق وبين ابنها. وكرهت اختياراً بلا اختيار، ولكنها كانت على استعداد للمواجهه الشرسة فصرخت في المهيب

" منذ أن عرفناك وأنت تقتل خيرة أولادنا، وتخيرنا اختياراً مفزعاً لا حق لك فيه ، وتسكب الملح في جروح ضعفنا، وتلعب على أوتار الأمومة والأبوة والغريزة المتدفقة. كنت تتحكم فينا يوم أن جعلت الخيار لقلوبنا الجزعة. ولكني اليوم أدمر اختياري وأدمر سطوتك. اليوم الخيار له، هو صاحب الأمر"

وجذبت ابنها من اللامكان ووضعته أمامها وبثت في جسده كل طاقة أمومتها وقالت

"قل له أنك لا تريده"

وصرخت

"اسحقه باختيارك "


---


وابتسمت الأم وقالت بعدما روت للصبي الصغير الحكاية

" وهاهي عشرة أعوام قد مرت ولم يحدث شيء، ولا أدرى هل ستظهر أمور جديدة أم لا، ولكني أشعر بيقين قلبي أن الأمر قد انتهى وأن الخوف لن يعود"

ابتسم لها الصبي وقال

"لا أذكر شيئاً من هذا.. لا أذكر المهيب ولا أذكر اختياري ..وكيف أتذكره وقد حدث في خيالك؟"

نظرت له ثم طبعت على جبينه قبله حنان وهمست

"لا يهم .. المهم أن تحفظ هذه القصة كاسمك، وتتخذها حقيقة كضوء الشمس، وصوت الرياح، وجذور النبات. وتدرك أن نجاتك أنت بالذات ليست عبثاً، وأن الأقدار تعرف طريقها ولو خبت نور القمر وانطفأت كل النجوم"

ابتسم فختمت الحكاية قائلة

"وانهدمت السرايا وعدنا لدار جدنا القديمة، وها نحن نحيا في أمن، لا يعيقنا ليل ولا ترهبنا ظلمة"


عماد الدين السيد

16/3/2009

الحلـــــــــــوى

يبلغ من العمر الستين. جد يعشق أحفاد ابنته. يعيش وحيداً في بيته البعيد. ويخشى أن يتحرر من وحدته فيضيق زوج الابنة بكثرة الزيارات. فيؤثر الوحدة وسعادة الابنه البارة ويرضى وينتظر بشوق لا حدود له يوم الجمعة حيث يشرق نوره على الابنة والأحفاد. هش القلب، سريع الدموع، صامد كالجبل إلا في عزلته، ولطيف، وبشوش، وكأن وجهه قد نُسج ضاحكاً، وكأنه من طين غير الطين، وكأنه مياه عذبة جارية، وكأنه انبهار عيون الأطفال، وكأنه الحنين، وكأنه الشعر الأسود الفاحم، وكأنه الثوب الأبيض الناعم، وكأنه الخط العربي تزينه الضمة والفتحة والكسرة والسكون، وكأنه الصحراء لحظة الغروب، وكأنه السكر في عصير البرتقال، وكأنه كل الفاكهة.

في يوم الجمعة لا تحتد الشمس في السماء، ولا تمتنع السحب البيضاء عن المرور. ويبتسم لمجيئه سعد البقال الذي تمتلأ خزينته بمال الحلوى التي يشتريها الجد للأحفاد. وتتقافز الحلوى في جيوبة تضحك. ويسمع ضحكها فيضحك قلبه قبل أن تنير ضحكه وجهه الأرض والسماء، فيسرع الخطى نحو بيت الأحفاد، أو يسرع بيت الأحفاد الخطى إليه.

وركب الجد سيارة الأجرة يحثها على الإسراع. فاستجابت له وأسرعت، واستجاب الطريق له ففرغ من الزحام.

وقرب محطة الوصول، ركبت أسرة صغيرة السيارة. أب وأم وثلاثة بنات. وقد فطر الله قلبه على حب الأطفال. وعلى حب الجميلات الصغار. فابتسم لهن وأخرج من جيبه بعض الحلوى. وقفزت الحلوى من يده إلى الأيادى الصغيرة. وطار قلبه فرحاً وكذلك فعلت قلوب البنات. وشكره الأب على مضض. ونادى الجد على السائق فرحلت الرائحة الطيبة عن السيارة ومضت مع صاحبها في إتجاه بيت الأحفاد.

وفي السيارة، أخذ الأب الحلوى من أيدي بناته ورماها من النافذة وقال بلهجة الحكيم العالم ببواطن الأمور

"وما أدرانا ..لعله قد وضع لنا فيها السم"

وسقطت الحلوى حزينة باهتة، تدوسها إطارات السيارات المسرعة. وكذلك سقطت قلوب البنات.

عماد الدين السيد

26/3/2008