
يبلغ من العمر الستين. جد يعشق أحفاد ابنته. يعيش وحيداً في بيته البعيد. ويخشى أن يتحرر من وحدته فيضيق زوج الابنة بكثرة الزيارات. فيؤثر الوحدة وسعادة الابنه البارة ويرضى وينتظر بشوق لا حدود له يوم الجمعة حيث يشرق نوره على الابنة والأحفاد. هش القلب، سريع الدموع، صامد كالجبل إلا في عزلته، ولطيف، وبشوش، وكأن وجهه قد نُسج ضاحكاً، وكأنه من طين غير الطين، وكأنه مياه عذبة جارية، وكأنه انبهار عيون الأطفال، وكأنه الحنين، وكأنه الشعر الأسود الفاحم، وكأنه الثوب الأبيض الناعم، وكأنه الخط العربي تزينه الضمة والفتحة والكسرة والسكون، وكأنه الصحراء لحظة الغروب، وكأنه السكر في عصير البرتقال، وكأنه كل الفاكهة.
في يوم الجمعة لا تحتد الشمس في السماء، ولا تمتنع السحب البيضاء عن المرور. ويبتسم لمجيئه سعد البقال الذي تمتلأ خزينته بمال الحلوى التي يشتريها الجد للأحفاد. وتتقافز الحلوى في جيوبة تضحك. ويسمع ضحكها فيضحك قلبه قبل أن تنير ضحكه وجهه الأرض والسماء، فيسرع الخطى نحو بيت الأحفاد، أو يسرع بيت الأحفاد الخطى إليه.
وركب الجد سيارة الأجرة يحثها على الإسراع. فاستجابت له وأسرعت، واستجاب الطريق له ففرغ من الزحام.
وقرب محطة الوصول، ركبت أسرة صغيرة السيارة. أب وأم وثلاثة بنات. وقد فطر الله قلبه على حب الأطفال. وعلى حب الجميلات الصغار. فابتسم لهن وأخرج من جيبه بعض الحلوى. وقفزت الحلوى من يده إلى الأيادى الصغيرة. وطار قلبه فرحاً وكذلك فعلت قلوب البنات. وشكره الأب على مضض. ونادى الجد على السائق فرحلت الرائحة الطيبة عن السيارة ومضت مع صاحبها في إتجاه بيت الأحفاد.
وفي السيارة، أخذ الأب الحلوى من أيدي بناته ورماها من النافذة وقال بلهجة الحكيم العالم ببواطن الأمور
"وما أدرانا ..لعله قد وضع لنا فيها السم"
وسقطت الحلوى حزينة باهتة، تدوسها إطارات السيارات المسرعة. وكذلك سقطت قلوب البنات.
عماد الدين السيد
26/3/2008
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق